محمد أبو زهرة

602

زهرة التفاسير

والاتجاه الثاني هو أن المراد بالأمر الأمر بالإتمام ؛ أي أنه إذا شرع فيهما أو في أحدهما عليه أن يتمه ويأتي به كاملا ، وإذا لم يستطع إتمامه أو عدل عنه فعليه أن يعيده ، وتكون الإعادة واجبة ، كما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحبه في عمرة القضاء ؛ وعلى ذلك الرأي لا تكون العمرة واجبة لعدم قيام الدليل على وجوبها ، وليس في هذه الآية الكريمة ما يفيد الوجوب فهي لا تفيد وجوب حج ولا وجوب عمرة ، بل تفيد وجوب الإتمام إن شرع في أحدهما ، وقد ثبتت فرضية الحج بآية أخرى ، وهي قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . . . ( 97 ) [ آل عمران ] . وعلى هذا الرأي جمهور الفقهاء وجمهور التابعين وكثرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فهي على هذا الاتجاه سنة . وقد تأيد استنباط هؤلاء من الآية الكريمة بأقوال للنبي صلى اللّه عليه وسلم قد صحت عنه ، وثبتت نسبتها إليه ؛ وفوق ذلك فإن أركان العمرة تدخل في ثنايا أركان الحج ؛ ولذلك ورد في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة » « 1 » . والقول الجملي أن فرضية الحج مجمع عليها ؛ وأما فرضية العمرة ففيها خلاف ، وقد فرض الحج في العام التاسع من الهجرة على أرجح الروايات . وقد ذكرنا أن أول أركان الحج الإحرام ، وأنه من الحج كتكبيرة التحريم بالنسبة للصلاة ، ينوى به الدخول في الحج ، كما ينوى بها الدخول في الصلاة ؛ وإذا تم الإحرام على وجهه صار الشخص حاجا ، فيلبس غير المخيط ، ولا يحلق رأسه ، ولا يقصر شعره ، ويحرم عليه الصيد ، وتحرم عليه النساء ، كما يحرم على المرأة الرجال . . . وهكذا يستمر في تلك الشعيرة المباركة حتى يتحلل من الإحرام بالذبح والحلق ، كما يخرج المصلى من الصلاة بالتسليم .

--> ( 1 ) رواه مسلم : كتاب الحج - حجة النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 2127 ) عن جابر بن عبد الله ، ورواه أحمد في مسنده ( 13918 ) ، والدارمي ( 1778 ) ، والترمذي ( 854 ) والنسائي ( 1525 ) وأبو داود ( 1628 ) وابن ماجة ( 3065 ) .